صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
99
تفسير القرآن الكريم
غير معرفة برهانية أو كشفية لا يوجب الخلاص من الشقاوة الذاتية العلمية ، ومجرد الأعمال البدنية من غير تهذيب الباطن وتصفية القلب لا يوجب النجاة من العذاب الأليم . فالأولى من الصفات العلمية ، كون العبد بكثرة مزاولة المعارف الإلهية بحيث إذا ذكّر بآيات اللّه ، أي المعارف المذكورة في القرآن ، أو أفيد بالحقائق الايمانية أو وعظ بتقوى اللّه والزهد الحقيقي ، تذكّر بها واتّعظ بمواعظها واعتبر بأمثالها ، وفهم دثور الدنيا وفنائها ، خاضعا لآيات اللّه ، للين قلبه وصفاء فطرته ساجدا فانيا فيها نازلا مما كان قبل ذلك من نشأته الحيوانية وعما يعتقده من حوله وقوته وقدرته ، وهذا أخص خواص المؤمن الذي لا يوجد لغيره كما افصح اللّه عنه بقوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [ 8 / 2 ] لأن هذه خاصية علمية لا توجد إلا في العارفين باللّه وآياته ، وهي أساس الدين وأصل سائر الحسنات . والثانية منها : أن يكون العبد مسبحا مقدسا ربه حامدا له ، وهو عبارة عن تجريد ذاته عن صفات الأجسام ، واتصافه بصفات الملائكة ، وتشبّهه وتخلقه بأخلاق اللّه ، فذلك هو تسبيح المؤمنين حقا ، كما صرح به بعض أئمة العلم والعرفان ، ووجه ذلك ان كثرة مزاولة الفعل والرسوخ في الاتصاف بصفة على الكمال يؤدى بصاحبه إلى صيرورته من حقيقة ذلك الفعل وجنس تلك الصفة ، أو لا ترى ان كثرة تسخّن الحديد بمجاورة النار بواسطة النفاخات تؤدى به إلى أن يكتسي صورة النارية ويفعل فعلها ، فلا تتعجب من صيرورة المؤمن الحقيقي مفارقا محضا كالملائكة المقربين الذين شأنهم التسبيح والتقديس ، لأن دأب العرفاء والحكماء تجريد الحقائق عن الزوائد والمشخصات ، وتنقيح المقاصد عن الفضول والحشويات ، والتفرقة بين الذاتي والعرضي في كل باب ، كيف والتعقل ليس معناه في مصطلح القوم إلا هذا التجريد والتوحيد ، فبكثرة فعل التجريد والتوحيد الواقعتين منهم دائما بلغوا إلى